فؤاد سزگين

204

تاريخ التراث العربي

ولقد كان يرى أن المعادن ، تحت تأثير الكواكب ، تتكون في الأرض من اتحاد الكبريت الحار واليابس مع الزئبق البارد والرطب . . . . ويرجع وجود المعادن بأنواع مختلفة إلى أنّ الكبريت والزئبق ليسا نقيين على الدوام ، ولأنهما ، فضلا عن ذلك ، لا يتحدان بالنسب ذاتها . فإذا كانا نقيين تماما وحصل الاتحاد كاملا بالميزان الطبيعي ، نشأ الذهب ، أكمل المعادن . أما الأخلاط والنسب غير الكاملة فتؤدي إلى تكوين الفضة أو الأسرب أو القلعي أو الحديد أو النحاس . ولما كان لهذه المعادن في الأصل التركيب ذاته الذي للذهب ، فيمكن تصحيح ( تأثير ) المصادفات في طريقة تركيبها بتدبير مناسب ، وهذا التدبير يشكّل غرض الصنعة ويعول على استعمال الأكاسير « 1 » . وقد خصص جابر لتقطير المواد العضوية في صنعته بل في كيميائه مكانا مهمّا ، لا يوجد بالمقدار نفسه في التطور السابق لهذا العلم . ومما يلفت النظر بصورة خاصة استعمال النشادر لا من المواد غير العضوية فقط ، وإنما من المواد العضوية أيضا . وقد عدّ النشادر عنده مع الكبريت والزئبق والزرنيخ ، عدت جميعا بسبب تطايرها ، من « الأرواح » « 2 » . هذا ، ومما يميّز كيمياءه كذلك الوصف الواضح للتدابير وللأدوات والتقسيم المنهجي للمواد والمنزلة التي خصصت للتجربة واستخدام القياس اللازم « 3 » . وقد أدى بجابر نظامه الصنعوي إلى نظام آخر ، سماه « علم الخواص » ، عالج فيه خواص المعادن والنبات والحيوان ، اتفاقها واختلافها وأهمية خواصها في المجال العملي والطبي « 4 » . أما بالنسبة لما عنده من مواد هائلة فلم يرض جابر بترتيب أو بتصنيف بسيط للخواص . ومهما قدّر لهذه الخواص أن تظهر عجيبة فلا بد لها من أن تخضع

--> ( 1 ) هولميارد في مجلة endeavour 14 / 1955 / 118 - 121 . ( 2 ) انظر كراوس ii ص 41 . ( 3 ) المصدر السابق ص 32 . ( 4 ) المصدر السابق ص 61 .